الشيف شارل عازار : تحضير الحلوى أصعب من الموالح

الشيف شارل عازار : تحضير الحلوى أصعب من الموالح

- ‎فيمقابلات

الشيف شارل عازار : تحضير الحلوى أصعب من الموالح

حصد جوائز عالمية تقديرًا لأطباقه الحلوة

الشيف شارل عازار : تحضير الحلوى أصعب من الموالح

دخوله عالم صنع الحلويات لم يأت بالصدفة، إذ يمكن القول بأن الشيف شارل عازار ولد وملعقة السكر في فمه، كون والديه كانا هما أيضا شغوفين بإعداد أطباق الطعام ولا سيما الحلويات منها.

«كنت ما زلت في الثانية عشرة من عمري عندما كنت أتسلل إلى مكتبة أبي في المنزل، وأتصفح كتب وصفات الطعام والحلويات. وكانت حلوى الـ(باتاشو) مع الكريمة أول نوع حلويات أعدّه وأقدمه مفاجأة لوالدتي». هكذا يصف الشيف شارل بدايات تلمسه هواية صنع الحلوى. وعندما تتحدث معه لا يمكنك إلا أن تنال حصتك من السكر زيادة الذي يغلف كلامه، خصوصا وهو يشرح لك كيفية إعداد حلوى معينة، فيسيل لعابك لمجرد وصفها لك وبالتفاصيل الدقيقة، فشغفه لهذه المهنة التي تسيطر على حواسه الخمس تمكنت حتى من التحكم بقدره المهني.
اختصاصي في صناعة الحلويات بالشوكولاته والباتيسري الفرنسية، إلا أن العلم الأكاديمي والأوزان بالغرامات، تجدهما نافرين في حديثه معك عندما يشرح لك أصول وقواعد هاتين الصناعتين وغيرهما من الأصناف التي تتألف منها لائحة الحلويات العربية والفرنسية معا. قد يكون الشيف شارل عازار الوحيد من بين زملائه في لبنان والعالم العربي الذي استطاع، أن يحقق النجاح تلو الآخر محليا وعالميا من خلال تميزه في إعداد الباتيسري الفرنسية. وعندما نذكر هذا المجال في إعداد الحلويات لا بد وأن نشير، إلى أن الشيف شارل كان المبادر لإحراز الفرق فيه. عن أي فرق نتحدث؟ هو ذلك الخيط الرفيع الذي أمسك به بجدارة، بحيث ابتكر حلويات فرنسية بطعمات لبنانية، مستوحيا مكوناتها من جذوره وهويته اللبنانيين. «لقد أخذت على عاتقي أن أنشر ثقافتي اللبنانية في إعداد الحلوى في بقاع الدنيا، فابتكرت منها ما نسميه في لغتنا المهنية بالـ«revisitee»، وحصدت جوائز عدة فوضعت لبنان على خريطة العالمية في هذا المجال». يقول الشيف شارل عازار في حديثه لـ«الشرق الأوسط».

فهو من ابتكر قالب حلوى الـ«شيز كيك» بالبقلاوة، و«العثمليّة» مع الكريمة المحروقة (crème brulee)، والـ«ماكارون» بالتمر. ولم يبخل الشيف شارل بتزويد مطبخ الحلويات العالمية بأفكاره الخارجة عن المألوف، فلم يكن قد تجاوز بعد الـ25 عاما، عندما حصد 8 ميداليات ذهبية في عالم الباتيسري ضمن بطولات عالمية ومحلية. ففي مسابقة «بطولة العالم في الحلويات» (coupe du monde de la patisserie) حاز على ثلاث جوائز قيمة، بينها تلك التي وضعت لبنان في المرتبة الخامسة عالميا في هذا المجال عام 2005، وأخرى حقق فيها جائزة «أفضل فريق» مشارك في نفس المسابقة عام 2003. كما نال جائزة «الامتنان والتقدير» من قبل لجنة الحكم المشرفة على هذه البطولة أيضا في عام 2009. ومن الجوائز الأخرى التي حصدها واحدة في أمستردام (هولندا) عام 2004 وثلاث توزعت ما بين «اوريكا» لبنان والأردن والكويت في عام 2011. كما شارك في صالونات عدة للحلويات شملت إسبانيا وإيطاليا وفرنسا والمملكة العربية السعودية وغيرها. «لقد شاركت في هذه المسابقات كـ(شيف) أحيانا وكرئيس ومدرب لفريق مشارك أحيانا أخرى، وفي كلتا الحالتين كانت سعادتي لا توصف بما استطعت إهداءه لبلدي لبنان». هكذا يلخص الشيف شارل عازار اعتزازه بلبنانيته هو الذي صار يركن إليه في لجان تحكيمية عالمية، ويضيف: «ارتكزت مرات إلى أفكار شرقية بامتياز فترجمتها مثلا في مجسّمات الثلج والشوكولاته التي أعددتها، وشاركت من خلالها ضمن «البطولة العالمية للحلويات» في مدينة ليون الفرنسية فحملت اسمَي «شهريار وشهرزاد»، أو تلك التي استوحيتها من بلادي عام 2009 وأسميتها «طائر الفينيق»، وكانت كناية عن طير كبير الحجم مصنوع من الشوكولاته اللماعة، ملقي عند أسفله طير أسود صغير من نفس النوع، للدلالة على الأسطورة الشهيرة لطير الفينيق الذي انبعث إلى الحياة بعد أن انتفض من الموت». شغوف الشيف شارل عازار بمهنته إلى حد الذوبان كما يقول، ولذلك فهو يؤكّد أن «الشغف الذي يسكن أي مهنة نزاولها هو أساس نجاحنا فيها».

ولكن ما القاعدة الذهبية التي في استطاعته تزويد ربة المنزل العربية بها، لتحقيق النجاح في مطبخها في إطار إعداد الحلويات؟ يرد: «كل ما في الأمر هو التقيد بمعايير الوصفات كما هي دون زيادة أو نقصان، فصناعة الحلويات برأيي هي أصعب من تلك الخاصة بإعداد الطعام، والتي في إمكاننا أن نسمح لأنفسنا بزيادة رشة بهار أو ملح أو ملعقة زيت وما شابه من مكونات تتألف منها ولا تحدث فرقا كبيرا في طعمها، وهذا الأمر لا يمكن تطبيقه في صناعة الحلوى. كما أنه على ربة المنزل أن تستخدم حواسها الخمس في صناعاتها هذه، وأن تتخلى عن التقليد القديم السائد عامة في مطبخ جداتنا والمعروف بـ(عالبركة)، (أي العمل دون التقيد بقواعد معينة)، لأنه أحيانا يساهم في نجاح الوصفة، ولكنه أحيانا أخرى يقضي تماما على قالب الحلوى الذي نحضره فلماذا نخاطر بها؟»

وخلال حديثك مع الشيف شارل عازار لا بد وأن تغب من خبرته بصورة مباشرة، فتتعلم بعض المهارات التي تصب في مصلحة ما تعده حتى لو كان كوبا من الشاي.

«عندما نضع مغلف الشاي في كوب من المياه الساخن، انتبهي لخطأ شائع يقوم به كثر، ألا وهو لف المغلف على الملعقة وعصره. فهذا الأمر سيزيد طعم الشاي مرارة كون (تفل) الشاي ينزل مباشرة في الكوب فيغير من طعمه».

أما بالنسبة للقضاء على رائحة «الزنخة» التي يتسبب فيها البيض عادة فيقول: «طبعا في استطاعتنا أن نحل الأمر برشة من الفانيليا أو برش الليمون الحامض ولكن الأهم هو التخلص من تلك الخيوط البيضاء اللزجة التي تربط ما بين زلال البيض وصفاره».

وعن أفضل طريقة تخولك صناعة قالب من الـ«كيك» بطريقة ناجحة يقول: «القاعدة تقضي بخفق البيض مع السكر حتى يصبح حجم الخليط أكبر بثلاث مرات، إضافة إلى فرز الطحين بواسطة المنخل وسكبها بتروٍ وحنان على ذلك الخليط. وأخيرا ترك فقاعات الهواء التي قد نلاحظها في عجينة الـ(كيك) كما هي، لأنها بمثابة الخميرة التي ترفع بالقالب إلى الأعلى فينتفخ بشكل أفضل».

لعبت موهبة الشيف شارل دورها في تحديد مصيره المهني، فهو عندما قرر الانتساب إلى المدرسة الحربية في التسعينات كان لاندلاع الحرب تأثيرها في وجهته الدراسية، يومها أقفلت المدرسة تلك أبوابها فاضطر أن يتوجه إلى دراسة من نوع آخر، فاختار الطعام ليكون ملاذه. فالهواية حسب رأيه يمكن أن تتحول إلى مهنة، أليس هذا ما يحصل مع الرسام والنحات والمغني؟

وسألت الشيف شارل عازار: «هل من السهل أن تعطي وصفة من وصفاتك؟» فأجاب: «طبعا فهذا يندرج من ضمن عملي، ولكن برأيي ليست الوصفة فقط هي التي تحرز الفرق، بل ما نسميه في مهنتنا الـ(tour du main)، تماما كالـ(نَفَس) الذي نستعمله للثناء على طعام أحدهم بتعبيرنا الشعبي، فنقول (نَفَسه طيّب). ففي إمكاني إعطاء 10 وصفات مرة واحدة لأحدهم، ولكن من سيطبقها عليه أن يقرأ أفكاري لتكون شبيهة بتلك التي أصنعها شخصيا، وهذا ما أسميه الخبرة والإمكانيات والتي تولد منها (ضربة المعلم) إذا ما أمكننا القول. فعندما أعمل يكون تركيزي حاضرا بنسبة عالية فأسمع صوت الخليط وأرى شكله، وأشتم رائحته وأتحسس ملمسه وأتذوق طعمه، فهي خلطة مكونة من موهبة وإحساس والحواس الخمس مجتمعة لذلك أقول إن سري يكمن في فكري».

من الممكن القول إن من يعمل في صناعة الحلويات صاحب مهنة مشبعة بالفرح، وفيها كثير من حلاوة السكر، كون الحلويات تعني المناسبة الجميلة والابتسامة والألوان وسعادة الأطفال. فهل هذا الأمر ينعكس إيجابا عليه في الواقع فيتعامل مع الناس بسكّر زيادة؟ يرد الشيف شارل الذي يعلّم مادة «تقنية الباتيسري» وكيفية إعداد الغذاء لطلاب الفندقية في جامعة القديس يوسف: «لا أحب أن أفلسف الأمور ولكن برأيي أن ذلك يعود إلى شخصية من يعمل في هذا المجال، فلكل منا طبعه وشخصيته، ولكل منا نجاحاته ومقدرته في مهنته، فقد لا أكون أفضل من غيري أو أهم ولكني قريب من الناس وأحتفظ بقدمي على الأرض. ولكن الحلويات بشكل عام عالم مضاء بالفرح وهذا ما أضيفه إلى وصفاتي أثناء إعدادي لها».

ورغم أن صناعة الحلويات تستند إلى مادة السكر، المعروفة في لغة الطب بالسم الأبيض تماما كما الملح، فإن الشيف شارل لديه أسلوبه في هذا الصدد الذي يشرح عنه بالقول: «أحاول أن أستخدم دائما السكر الأسمر لأنه لا يخضع لعملية التكرير، كما أنني أبدله بالدبس والطحينة مرات وبالعسل إذا لزم الأمر، فقاعدة «السكر قليل» وبكميات معقولة من شأنها أن تمثل الأسلوب الأفضل للابتعاد قدر الإمكان عن أضرار السكر عامة». أما الألوان التي تتزين بها قوالب الحلوى لدى الشيف شارل عازار فهي تتبع الموضة العالمية ويعلق عليها بالقول: «إننا نلحق بموضة الألوان الرائجة في تصاميم أهم دور الأزياء في العالم. فإذا كان الأخضر أو الأصفر أو الأسود والأبيض هي الرائجة، فنحن في عالم الحلوى نتبعها أيضا في أعمالنا». ويضيف: «هذه السنة مثلا ترتكز ابتكاراتنا على ألوان الزهري والبنفسجي والمطعمة بالفضي والذهبي المتلألئين. وهنا أنصح من لا يحب تناول هذه التغليفات الملونة والتي عادة ما تشكل حافزا لجذب الأطفال، إنه في استطاعته نزعها عن الحلوى ووضعها جانبا ليتلذذ بطعم الحلوى كما هي». ويؤكد في هذا الإطار على أن أي طبق نقدمه يجب أن يتمتع بالشكل الجميل الذي يشكل 60 في المائة من نجاحه، فيما أن طعمه يحوز على 40 في المائة من هذه المعادلة المعترف بها عالميا.

انتهى حديثي مع الشيف شارل عازار والذي ساده طعم من الحلاوة المترفة، فهو أكد لي أكثر من مرة بأن موهبته تكمن في الاطلاع على الحضارات، التي بحث في تاريخها. هذا الأمر زوّده بثقافة كبيرة، خصوصا وأنه حصل على قسم كبير من خبرته من خلال تنقلاته الكثيفة في أرجاء العالم مما ساهم في بريقه وشهرته، هو الذي يطل أسبوعيا في برنامج تلفزيوني على قناة الـ«إم تي في» في فقرة «ويل دون». ويرى أن الحلويات الشرقية واسعة الآفاق، وأنها أحيانا تنبع من بلاد الأتراك أو اليونان والأرمن، أما الباتيسري الفرنسية فهي متربعة على عرش الحلويات العالمية منذ حقبات عدة ولذلك أمعن في دراستها حتى أصبح من عداد الأمهر في تحضيرها عالميا. أما أحلامه فيختصرها بافتتاح أكاديمية خاصة به لتعليم أصول صناعة الحلويات لمن يهمه الأمر، ولا سيما لربات المنازل والفتيات اللاتي يهوين هذا العلم.

المصدر

اترك رد